من مفارقات القدر أن الصبية السورية (رهف) -الطفلة سابقاً- وأمها (نسيبة) تـأبيان إلا أن يكون يوم ميلاد كل منهما مرتبط بذكرى تمس السوريين والمصريين بل والعرب جميعاً رغم أنه لا يفضل بينهما سوى أسبوع
ولدت الأم في يوم السادس من أكتوبر/تشرين وتحتفل بميلادها في يوم حرب الكرامة التي كشف –ولا يزال- ربيع الثورات العربي الكثير من ورق التوت الذي يغطي من ينسبون أفضالاً لأنفسهم. ففي مصر كشفت الثورة أن الضربة الجوية التي أنهكت الملحنين والمطربين تمجيداً للمخلوع، ليس له فيها إلا مجرد دور من أدوار، وليس لها في الحرب إلا دور من أدوار بعد أن تصورنا جميعاً أنه كان يحارب الصهاينة بمفرده.
وفي سوريا تكشف الثورة الأبية يوماً بعد يوم عن تواطؤ من كان يتباهى بالمشاركة في الحرب حتى أن هناك من يثبت أن الجولان لم تكن لتسقط إلا بفعل خيانة، وليس أدل على ذلك من أن ابنه الهمام لم يوجه رصاصة صوب الجولان بل وجه أرتاله نحو حوران وشقيقاتها.
وولدت البنت في يوم وفاة جمال عبد الناصر.. أختلف معه واتفق .. لكن ما لا يختلف عليه اثنان أنه كان يحب بلاده، ويأمل في وحدة لا يفرقها عدو ولا حاقد.. كان زعيم الممانعة الحقيقية التي احترمها حتى أعداؤه لا الممانعة الكوميدية التي نسمع عنها في الحقبة الأسدية.. يوم وفاته كان اليوم الأسوأ على مصر التي وضعها على خط عودة الكرامة، وسوريا التي حمل أهلها سيارته ابتهاجاً به.. يموت لتبقى ذكراه في القلوب بعد عشرات السنين.
اعتدت لسنوات أن أبعث برسالة معايدة، أو اتصال، أو حتى تحية هنا أو هناك على الإنترنت..
لكنني لم أفعلها هذا العام ... كان الخجل يملؤني؛ كيف يطاوعني قلبي أن أقول لأي منهما: كل سنة وانتي "سالمة" -بحسب اللهجة السورية- وأنا أعرف أنهما محاصرتين في المنزل لا تستطيعان الخروج ولو هذه إلى عملها، وتلك إلى جامعتها في سنتها الأولى..
كيف أقول "سالمة" وقد فقدت هذه الكلمة بفضل نظام الشبيحة وشبيحة النظام أي معنىً لها ؛ فكيف لطفل جعلوا أجراس مدرسته دانات مدافع أن يبقي على مفهوم السلامة. وكيف لمن اصبح اللون الأحمر للدماء الزكية روتيناً يومياً له أن يقتنع أن هناك سلامة من الأساس..
"سالمة" لا معنى لها بالنسبة لكلتيهما؛ فدموع الأم لم تجف لاعتقال شقيقها منذ أيام أثناء عودته من المستشفى لطلب ممرضة لزوجته التي تعاني من آلام المخاض..
والابنة تكفكف دموعها لتستطيع مداعبة المولودة التي لم يكتب لها رؤية والدها حتى الآن . .أعاده الله وجميع المعتقلين سالمين بإذن الله .. وأراهم الله يوماً في الطغاة وجعلهم عبرة لمن يعتبر
منذ كانت طفلة في السابعة -ولا أزال أراها كذلك- وعدت صاحبة عيد الميلاد بأن برنامج زيارة الأسرة لمصر سيكون حافلاً .. وكثيراً ما كان الحديث يدور حول الزيارة التي لم تتم طوال سنوات، وكان حديث المتلهفة على زيارة بلد لطالما سمعت وشاهدت عنه.
وعقب الثورة زاد شوقها لزيارة ميدان التحرير .. الرمز المصري الأول منذ انطلاق صوت الشعب.. كانت زاهدة في التفكير بأي شأن يمس السياسة من بعيد أو قريب. وكنت أمازحها بقولي إنها تخشى أن أكون من الذين "خطهم حلو" كتبة التقارير الأمنية. لم تكن تدري أن الأيام حبلى بالكثير.
بعد خروج المارد السوري من القمقم اتصلت للاطمئنان على امتحاناتها لأن حرم الجامعة كان المكان الوحيد بمدينتها الذي توجد به تغطية لشبكات الموبايل. وجدت إنسانة جديدة؛ لا الصوت هو الصوت، ولا النبرة هي النبرة، ولا الكلام هو الكلام
وجدتها تقول من بين دموعها: "لم أكن أعرف أنني أحب سوريا بهذه الدرجة، كثيراً ما تمنيت أن أخرج منها ربما بلا عودة.. ولكن اليوم لا" وأردفتها بعبارة سمعتها من كل السوريين الذين أعرفهم "دمي مو أغلى من دمهن"
لم أستطع الرد بحرف واحد؛ فأمامي يولد مشروع عزة وحرية عجل بمخاضه وحشية وغباء وظلم نظام لم يتبق من عمره إلا أقل القليل. لم أتعجب حين وجدت صوتها يرتفع بدعاء على الطغاة غير مبالية بمن حولها أو بمن يستلقي في الموبايل في ظل نظام يحكم بالحديد والنار.
في مرة تالية سألتني ببراءة: "برأيك الأمر بيطول؟" قلتلها إنني أكبر المتفائلين لأنني كنت صاحب عقيدة أن النظام التونسي هو آخر من قد يتعرض لثورة أو حتى انقلاب، وخيب الله اعتقادي. ثم قلت كما قالوا إن "مصر ليست تونس" ليجعلني الله أعيش لأرى الفرعون وزبانيته خلف القضبان.. قلت لها إنه رغم كل الظروف وتواطؤ المتواطئين ودعم الداعمين تبقى يد الله فوق أيديهم..
رغم التفاؤل لم أستطع أن أتصل معايداً بأعياد ميلاد يحتفل معهم بشار وأعوانه بتقديم (تورتة دم) وتحل الرصاصات محل الشموع. وهي تختلف عن كعكة الدم التي يصنعها اليهود طبقاً لموروثاتهم الفاسدة التي كشف عنها اختفاء قس مسيحي في دمشق عام 1887. كعكة بشار لا تقبل بأقل من دماءآلاف الشهداء. ولكن يبقى الدم السوري الطاهر بحراً هادراً يغرقهم جميعاً بإذن الله.
أدعو الله أن أعايد قريباً لكل السوريين وليس لأسرة واحدة بمناسبة ميلاد عهد جديد بإذن الله، وميلاد حرية طال انتظارها.
كم هو جميل تراثنا العربي الذي جعل صفة (حكيم) مرادفاً لمهنة طبيب..
ولكن بعد الخطاب الثالث –والأخير بإذن الله على نهج السابقين- اتضح أن هناك فارق كبير بين حكيم العيون وطبيب العيون الذي يكاد يكون قد فقد بصره بعد أن فقد بصيرته.
• حكيم العيون الذي أدى قسم أبقراط مهمته الأولى أن يعالج البصر ويجليه..
أما طبيب العيون الذي أدى قسماً باطلاً من الأساس فضلاً عن حنثه فيه فكأن مهمته أن يعمي العيون عن كل جميل في بلاد هي للجمال عنواناً..
• حكيم العيون يبذل قصارى جهده لإزالة أقذاء العين وأرمادها..
وطبيب العيون الذي اعتلى كرسي السلطان اغتصاباً لا يألو جهداً لتفاقم الأرماد والأقذاء في عيون وطن اشتدت أوجاعه لعشرات السنين.. أصاب تلك العين الغالية بثلة من الجراثيم التي توغلت في الجسم الطاهر... جراثيم على شاكلته لا هم لها إلا امتصاص دم الوطن من خلال شبكات معقدة تجمعها مصالح لا تقل عفناً عن أصحابها.
• حكيم العيون يعالج من الاستجماتيزم الذي تختلط فيه الصور وتتداخل..
وطبيبنا تختلط لديه الصور بشكل كبير؛ في البداية اختلطت الصور فصدق أنه بالفعل رئيساً وهو أول من يعلم أنه ربيب دستور ابن سفاح لم يجلب إلا العار كل العار..
ثم اختلطت الصور فصدق أن احداً يردد صادقاً "منحبك" وأسقط هذا الأحد على كل الشعب الصبور
واختلطت الصور أكثر ليصدق أنه قاهر بني صهيون المنتظر ويخرج بعباراته العنترية بينما تحلق الطائرات التي تحمل النجمة السداسية فوق رأسه.
وها هو يعتبر نفسه رئيساً لجراثيم ليعيش بذلك الاستجماتيزم في أسوأ حالاته.
• من أشهر الأمراض التي تقابل حكيم العيون قصر النظر..
طبيبنا لا يحتاج إلى من يخبره بقصر نظره حين تصور أن تعذيب الأطفال وهتك الأعراض وقتل العزل سيكون مجرد حلقة من سلسلة الصمت الرهيب ستمر مرور الكرام..
قصير النظر حين استخف بشعبه مطلقاً ضحكاته البلهاء المستفزة في حين لم تجف يديه بعد من دماء الشهداء الطاهرة الزكية.
وليس قصر نظر أكثر من إطلاقه العنان لأكشاك الدعارة الإعلامية لتقدم ما تنافس به كافة القنوات الكوميدية حتى بات من لا يعرف مجرد اسم سوريا مفنداً ومكذباً لما تبثه تلك الأبواق التي تنكر وجود الشمس في يوم مشمس!! ولم يفوت على نفسه فرصة المشاركة في وصلات الكوميديا حين استدعى في خطابه أفلام الخيال العلمي لوصف أسلحة الثوار المتقدمة، وكذلك في الرقم الذي أعلنه كتقدير مبدئي للمطلوبين وهو رقم مؤهل للتضاعف..
• يلاحظ الكثيرون أن حكيم العيون يجري جراحات للاستغناء عن النظارة بينما يرتدي هو النظارة! ينصح الغير بما لا يفعله هو نفسه
لم يشذ طبيب العيون الذي أصبح رئيساً عن تلك الملاحظة؛ فهو من جعل الإصلاح مدخلاً لنسيان فضيحة تغيير الدستور، وطالما بشَّر بإصلاحات قادمة لكنها وبعد سنوات عجاف لم تصل بعد ولا حتى مقدماتها..
وهو من يدبج الخطب العصماء التي يجيد حفظها –فيما يبدو أنه مؤهله الوحيد كرئيس عربي- مهاجماً إسرائيل وأمريكا وقوى الغرب ووو.. وفي نفس الوقت يرسل الوسطاء من هنا وهناك للجلوس إلى من تهاجمهم خطبه الببغاوية!!
لطالما هاجم سكوت حكومة مبارك على العدوان الإسرائيلي على غزة مطالباً برد مصري.. فاته أن إسرائيل وفرت عليه حتى أن يذهب إليها فجاءته في عقر داره محتلة الأرض الغالية وكأنها تخرج لسانها قدر استطاعتها بينما تضع سدادات أذن لكي لا تسمع طنطنة الببغاء الذي لا يعي ما يقول..
يتهم ثورة الحرية في بلاده بأنها مؤامرة خارجية لم يستطع بعد ثلاثة أشهر أن يذكر ولو اسم جهة واحدة من أطراف المؤامرة.. وإن كان نجح فيما لم يأت به الأوائل بالجمع بين من لا يجتمع معاً: الموساد والإخوان والسلفية وأمريكا و.. و...و... ليتفقوا على البلاد والعباد!!
ثوار سوريا الباحثين عن الحرية أطراف في مؤامرة خارجية سرية وفي الوقت ذاته يدنس أذناب إيران وحسن نصر الله شوارع بلاد هي الطهر بذاته.
• طبيبنا رغم كونه متخصص في أمراض العيون إلا أنه أصيب بالعمى..
وليت الأمر اقتصر على ذلك فحسب بل إن الأمر تطور فأصيب بالعمه –عمى البصيرة- وهو ما لا يحتاج إثباته سوى نظرة خاطفة على الوضع الراهن.
عمي بصره فلم ير اللافتة التي تشير أسهمها إلى الجولان، واتجه بزبانيته صوب حوران..
وعميت بصيرته فلم يتعظ من دروس سابقيه اللذين لا يختلفان عنه إجراماً في حق شعبيهما. قال إن سوريا ليست مصر ولا تونس من قبلها!! ولم يدرك بعمى بصيرته أن أحرار وحرائر وأطفالاً يهِبون من سباتهم حاملين أرواحهم على أكفهم فداءً للحرية أبداً لن ينجح الموت نفسه أن يثنيهم عن اللحاق بقطار ربيع الحرية.
بيت شعر أحفظه منذ الطفولة، في الوقت الذي ألقى الله في قلبي حباً لبلد لم أعرفه، ولم أقابل أحداً من أهله، بل كانت كل معلوماتي عنه قراءات في مجلات الأطفال.
كانت علاقة حب يفضح الشوق المحبوب مهما حاول مداراة حبه أو مواراته:
يترك ما في يده ليتابع بشغف برنامج عن مدينة هنا أو هناك في هذا البلد.
ولم يعد الأصدقاء والأهل يفاجأون إذا تسربت من كلامه لفظة سورية.
وحين قابل سوريين كان أول تعليق لهم على هذا الشغف ببلادهم: لابد أن في الأمر "سورية" وراء عشقك لسوريا..
خانهم تقديرهم على الأقل في مسألة الترتيب..
لسوريا عندي مكانة خاصة جعلت مني ذلك المتيم الذي لا يترك شاردة ولا واردة عن هذا البلد العريق.
وكما عشقت الوطن عشقت المواطنين بما لهم من سمات جلّت المحنة-المنحة الأخيرة العديد من تلك السمات لتظهر في أبهى صورها بعد أن حاول الطغاة قتل كل جميل في البلاد والعباد.
ما أجمله شعب يقف أعزلاً أمام آلة الموت والدمار بلا سلاح سوى "الله أكبر" تصدح بها القلوب قبل الحناجر..
لا تستطيع الحروف أبداً وصف المشاعر التي أحسست بها عند سماعي تسجيلاً أرسله أهلنا في سوريا لـ "معركة التكبيرات" ..
ولأن الأرواح جنود مجندة أقسم أنني أحسست أنني أقف فوق سطح منزل بتلك المدن الأبية أهتف بأعلى صوت مكبراً رب العزة داعياً أن يرينا آية من آياته فيمن لم يراع فيه إلاً ولا ذمة..
عرفت مدى عشقي لسوريا حين شعرت بذات الغصة التي أحسست بمرارتها لعدم تمكني من التواجد في ميدان التحرير بأتراحه وأفراحه، بدماء الغضب وزغاريد التنحي..
إحساس غريب أن يتمنى المرء بكل حماس أن يتمكن من الإسهام في تحرير أرض ما لا ينتمي إليها بمعايير جوازات السفر تماماً كما تمنى الإسهام في تحرير وطنه.
كيف لا أتمنى أن أكون بين طالبي الحرية من أحفاد العز بن عبد السلام الذي طالما استشهدت بمواقفه التي لا تخشى في الله لومة لائم متحسراً على "علماء" باعوا الدين بالدنيا..
كيف لا أتمنى أن أقف مكبراً فوق أحد البيوت الشامية التي سحرتني عمارتها حتى أنني فكرت مراراً في محاكاتها في بيتي رغم الصعوبات..
تلك البيوت التي تحملت لأجل الاستمتاع بها كمبانٍ ومعانٍ سذاجة بعض المسلسلات التي تدور في الشام القديمة.
كيف لي أن أتقاعس عن الهتاف بأعلى صوتي بلهجة لطالما شنفت أذني من فرط رقتها وفصاحتها في آن واحد. لهجة لا أحتاج معها –مثل بقية اللهجات- إلى مترجم لأنها ببساطة ليست حروفاً مرصوصة وإنما لغة قلوب لا دخل للسان ولا للأذن بها.
وكيف لا وقد أنّ أبناء بردى لخطوب، فلم لا يتداعى لهم أبناء النيل نصرة ولو بالدعاء..
وتمتد علاقة النيل وبردى حتى في الحال الذي وصلا إليه: نضب بردى، وتلوث النيل بالمخلفات من ناحية وبأيدٍ قذرة تعبث بمنابعه من ناحية .. وهكذا حال البلدين .. ولهما الله الذي ندعو أن يطهرهما من كل من دنسهما.
شهيد سوري في المسجد الحرام!!
(كنت شهيداً سورياً لمدة ساعة!!)
لم تغب سوريا عني أثناء أداء العمرة فكما دعوت لبلدي أن يحفظها الله، دعوت لسوريا أن يحقن الله دماء أهلها ويحفظها من كل سوء.
وخلال الرحلة كنت أستوقف بين الحين والحين من أعرف أنه سوري من اللهجة أو الحقيبة التي تحمل اسم شركة السياحة. وكان الحوار لا يستغرق نصف دقيقة: كيف الحال هناك؟ -إن شاء الله خير.. مستبشرين
في المسجد الحرام رن الهاتف.. سيدة سورية من أسرة صديقة .. أول ما جال بخاطري أنها عرفت أنني اؤدي العمرة وتبارك أو تطلب الدعاء بصلاح الحال..
وجدتها منهارة تبكي بحرقة لم أفسر معها الكثير من كلامها.. فهمت أنها عادت لتوها من تشييع شاب من الجيران استشهد بلا ذنب جناه إلا رغبته في تنسم الحرية..
فوجئت بصوت آخر لا أعرفه يحدثني: يا فلان.. أنا أم الشهيد..
اقشعر بدني حتى أنها قالت بعدها كلاماً لم اسمعه لأنني لم أستوعب بعد جلال الموقف بكل أبعاده: أنا في بيت الله الحرام، وأحدث أُم شهيد لا أعرفها عادت من توها من تشييع ابنها الذي خرج منذ ساعات وكله أمل في غد أفضل ربما لم يره لكنه أسهم في وجوده
أفقت من خواطري وطلبت منها إعادة ما قالت.. استحلفتني أن أؤدي عمرة عن ابنها الشهيد سائلة الله أن يتقبله في الشهداء
يالله
يالجلال الموقف.. أؤدي عمرة.. عن من؟ عن شهيد!!!
يالها من مفارقة
لم أكذب خبراً
من فوري شرعت في الإحرام وبدأت العمرة، وخلالها كنت أدعو لمن لا أعرف إلا اسمه. لكنني عرفت فيه الإيمان، والنخوة، والإباء، والعزة ..
وكيف لا فإن هذه الصفات إن لم يتسم بها من خرج حاملاً روحه على كفه أملاً في غد مشرق فمن ذا الذي يتسم بها؟!
دعوت أن يكون دمه لهيباً يفني الطغاة..
دعوت لأهله بالصبر، والمزيد من الثبات، واحتسابه عند من لا يغفل ولا ينام.
دعوت لوطنه بالسلامة وأن يحفظ الله بلاداً لطالما رفعت عالياً كلمة الله..
دعوت أن يذيق الله الطغاة من ذات الكأس، وأن يروا بأعينهم عاقبة ظلمهم بعد أن يذوقوه في الدنيا قبل أن يذيقهم الله إياه في يوم العدل..
دعوت الله أن يجعلهم عبرة لمن يعتبر بعد أن يرينا فيهم آية من آياته تماماً كما رأينا في مصر
لطالما كرهت تلك الصور الباهتة لشيخ الأزهر –على اختلاف اسمه- يستقبل البابا في العيد، أو للبابا داعياً الشيوخ لإفطار رمضان بالكنيسة..
أراها دوماً صوراً باهتة لا روح فيها .. فكم من مرة كانت مثل تلك الصور تظهر بأحضان وابتسامات تملأ الوجوه بينما الشارع يغلي بفتنة من هنا أو هناك!!
لم تكن العلاقة بين المسلم والمسيحي بالنسبة لي هي تلك الصور بأحضانها..
ليس هناك تعبير عن هذه العلاقة النادرة التي يراد لها السوء من الكثيرين أقوى من الحزن الذي انتاب شارعنا بمسلميه قبل مسيحيه لوفاة (عم نظير)..
شخصية لا تملك إلا أن تحبها وتحترمها لرجل في العقد التاسع أو العاشر من العمر إلا أن الله وهبه من الصحة البدنية والعقلية ما جعلت مسألة السن هامشية بالنسبة له.
ما أجمل الجلوس إليه؛ تستمع بكل شغف لحكمة السنين التي لم تصغها شهادات علمية جوفاء، بل حفرتها خبرات السنين।
برشاقة في الحديث يربط موضوع الحوار بقصص من الماضي موثقة بالأسماء والأحداث.. يحدثك كأنك تعرف من يروي قصصهم.. وسرعان ما تعيش أجواء تلك القصص ليس فقط كأنك تعرفهم بل كأنك تعاصرهم من فرط جمال طريقته في الحكي.
عندما توفي والدي كنت أتلقى العزاء بثبات حسدني عليه الكثيرون خاصة لما يعرفونه من ارتباطي بوالدي رحمه الله.
اختفى هذا الثبات مرات قليلة طوال أيام العزاء وذلك عندما كنت أرى "أحباب" والدي الذين كان يحبهم ويحبونه..
وكان منهم عم نظير الذي ما إن رأيته يقترب من ديوان العائلة حتى تبدل حالي..
خلال ثواني تذكرت جلساته مع والدي، وحكاياتهما التي لا تنتهي.. ثم تعود بي الذاكرة لأيام عمل عم نظير في مجال النخيل، وكيف كان يتبادل وأبي الحديث و"المناكفات" الطريفة بينما يؤدي عمله فوق النخلة، وأبي يرقبه على الأرض.
تذكرت كل هذا وتوجهت للقائه لتلقي العزاء لأجد الدموع تترقرق في عينيه حزناً على صديق قديم.
نفس الأمر تكرر مع الراحل (عم النوبي) جار والدي لعشرات السنين في السوق، والذي زارنا بعد سنوات لدقائق لم يقل فيها شيء من فرط دموعه التي تنهار لذكريات السنين..
وما فعل –ولا يزال- (عم محارب) لا يختلف عنهما، فهو يصر أن يطمئن على سير أمور البيت في غيابي أو وجودي.
فهل يمكن أن نساوي هذه النماذج الجميلة بصور الأحضان للمشايخ والبابوات.. أحضان وقبلات ولكن ما في القلب في القلب!!
أكره عبارة "وحدة وطنية" وأجدها بلا معنى.. فمن قال إن الوطن تفرق ليعاد توحيده؟! ومن قال إن تلك القلوب التي تربت على الخير يعميها التعصب؟!
في بداية المرحلة الجامعية حضرت ندوة للبابا في معرض الكتاب.. كان الجميع يبعث أسئلة.. لم أبعث سؤالاً لكنها ملاحظة مفادها: رجاءً اتركونا شعباً نتعايش معاً ولا تقحموا أنفسكم لا بابوات ولا مشايخ ولا ساسة..دخلت السياسة من أوسع الأبواب في علاقة المسلم والمسيحي في مصر فهرب الود من الشباك..
أعود لـ (أبوجمال) –عم نظير- وقلبه الكبير الذي كان يتسع للجميع إلا أنه لم يحتمل كرمه فأصابه الإجهاد.
كان يحرص على تلبية احتياجات جميع الجيران كبرت أم صغرت وكأنه رب الأسرة للشارع كله..
ليس مشهداً نادراً أن تراه يحمل جوالاً به احتياجات الجيران التي يعرض خدماته التطوعية لإحضارها॥ وتسأل عن المقابل فيرد بابتسامة طيبة رافضاً حتى مجرد تناول كوب ماء।
وفي ليلته الأخيرة قام بجولته الأسبوعية لتفقد احتياجات أبناء الشارع –مسلميه ومسيحييه- منتوياً الذهاب في الصباح المبكر لشراء أفضل المعروض.. لكن القدر لم يمهله، فلما أحس الأهل بتأخره عن هوايته النبيلة الكريمة ذهبوا لإيقاظه.. ولكن كانت الروح قد عادت لبارئها .. ليفارق (عم نظير) دنيانا ولكن أبداً لا يغيب عن ذاكرتنا وقلوبنا رجلاً كان أبلغ من كل الصور الباهتة لكل المشايخ والقساوسة.
لا أدعى أنني تعرضت لظلم بيّن في عهد مبارك، ولا أزعم –كما فعل الكثيرون- أنني كنت من المطالبين برحيلة الكاشفين لفساد نظامه॥
ولكن ..
عند قراءة أخبار هذا اليوم الحافل وجدت دموعي تنساب.. شيئاً فشيئاً تحولت لبكاء متشنج..
لم تكن –بالطبع- دموع تعاطف مع الرئيس المخلوع المودع للحبس مع أبنائه؛ فحاشا لله أن أتعاطف مع من أهدر دماء زهور مصر قبل أن يهدر ثرواتها وسمعتها وتاريخها..
لكنها تبقى دموع...وبكاء
ليست شماتة. .وكيف أشمت في قضاء الله؟!
وكيف أشمت في وعد الله الذي وعدنا بأنه –تعالت قدرته- لا يغفل.. يمهل .. ولكن أبداً لا يهمل؟
يا الله!!
يا من لا يغفل ولا ينام.. يا من تعز من تشاء وتذل من تشاء
نسيناك ولم تنسنا.. قنطنا من رحمتك، ولم تعاقبنا بل أريتنا من آيات رحمتك بنا
وهل من آية أكبر من قدرتك التي شهد بها من يؤمن بك ومن يكفر بأن ما حدث لم يكن ليحدث إلا بإرادة إلهية وبتوفيق من رب العالمين.
نزلت دموعي وأقسم أنني لم أستطع إكمال قراءة أي خبر من فرط غمامة الدموع.
نزلت دموعي وأنا لم أكن سوى متفرج،
وهنا حاولت تخيل حال من تعرض للظلم، من نهبت أراضيه، من هتكت أعراضه، من تعرض للتعذيب، من ثكلت أبنائها، ومن ذاق الذل وتجرع القهر
كيف حال هؤلاء وهم يسمعون الأنباء المتواترة عن وصول أبناء الرئيس المخلوع مدانين –معه-بالتحريض على قتل أبناء الوطن الذي كان آخر ما يفكرون فيه؟
بم يشعر الآن أكثر من 1000 أسرة غرق أبناؤها في العبارة الشهيرة ولم تكلف الأسرة الحاكمة نفسها بنجرد كلمة تعزية بل ذهبت بكاملها لمبارة كرة قدم؟
وغير هؤلاء الكثيرين على مدار الثلاثين عاماً.. كيف تلقوا الخبر؟
وكيف تلقت الأسرة الحاكمة ذاتها تلك الأخبار هل أدركوا أن هناك من لا ينام؟ وأن دولة الظلم ساعة؟ وأن كل من نالوا منه في عنفوانهم لابد أن دعوة ماضية منه زجت بهم في غياهب السجون؟
وهل أدركنا نحن كل هذا ؟
وهل نفيك حقك يا معز .. يا مذل.. يا من بخسناك حقك ووفيتنا حقوقنا
هامش (६): وشوش أن تكون مؤيداً لمبارك فهذا موقف يخصك ورأي يجب على الجيمع احترامه لأنه لا إجماع على أي شيء؛ حتى المولى عزوجل –رب العالمين- هناك من يختلف حتى حول وجوده.. ومع ذلك فقد جعل الله لكلٍ أن يختار ما يريد بدءاً من العقيدة إلى كل الأمور ولكن.. أنا عن نفسي أحتقر كل من يتلون بلون المرحلة بعد أن كان على الطرف الآخر.. أحترم جداً من كان مؤيداً لمبارك وعهده وبقى على قناعته التي قد أختلف أو أتفق معها أما المتلونون بسرعة تحسدهم عليها الحرباء فهؤلاء جديرون بكل احتقار من الجميع: المؤيدين والمعارضين. أنا ضد أن يحول المنتصرون في المرحلة الحالية من عاداهم إلى خونة وعملاء.. بالعكس إلا أن هذا ينطبق على من خالف الرأي بشرف وبفروسية.. ويزيد الاحترام لمن تمسك برأيه طالما أن لديه قناعاته أما من قاموا خلال 24 ساعة أو أقل بالتغيير بدرجة 180 من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار فهؤلاء لا مجال لقبولهم .. ويكفيهم أن الشعب –الذكي جداَ- عرفهم وكشفهم ويفضح ألاعيبهم
هامش (७): إلا انتو أعرف أن لحوم العلماء مسمومة وأن الخوض فيهم لا تؤمن عواقبه.. ولكن موقف شيخ الأزهر يثير علامات استفهام كان البعض –وأنا منهم- يفترض فيه أن يزيل تلك العلامات بما يقدم عليه من خطوات تعمل على استعادة لمكانة الأزهر كان الإمام الأكبر يعيد ويزيد في النصح للشباب بصيغة "ولكن".. إلى أن جاءت الفتوى الأخيرة بتحريم الخروج يوم الجمعة لأنه يؤدي لفوضى وفيها خروج على الحاكم!! وغاب عن شيخ الازهر أن ينصح للحاكم لكي لا يخرج عليه شعبه.. غاب عنه أن يبين حكم من يقتل الشباب العزل.. وغاب عنه أن يوضح رأي الشرع في استغلال المال العام.. وفي تزوير إرادة الشعوب.. وفي الاستخفاف بكل القيم والاعراف والمشاعر.. وفي وفي وفي وليته فهم رسالة المتحدث باسمه عندما استقال من منصبه –الذي لا يحتاجه- ليكون بين أبناء شعبه وليته يفهم.. وعلى الطرف الآخر كان نفس الموقف للبابا شنودة .. رجل الدين الذي سيس الكنيسة وجعلها دولة داخل الدولة: لا تأبه لأية أحكام قضائية ولا قوانين ولا دساتير .. دائماً ما يشدد على أن الكنيسة دار عبادة والرهبان ليسوا ساسة.. وهدد بحرمان كل من يخرج في المظاهرات بالشلح إن كان راهباً أو الإقصاء عن رضاه إن كان من "شعب" الكنيسة كما يحب أن يسميهم استنام البابا لعهد حقق فيه الكثير من المكاسب التي جعلت مجرد ذهابه إلى الدير إشارة لغضبته من النظام الذي يسارع لاسترضائه بكل السبل التي تتعارض في غالبها مع القانون وربما الشرع البابا الذي يحظر التظاهر كان هو من أرسل بعض كهنته إلى الميدان الآخر لتأييد النظام.. وكان –وهو رأس الكنيسة التي لا تعمل بالسياسة- هو من تطوع بتأكيد أن ابن الرئيس هو أحق من يخلفه.. وهو من أمر بدق الأجراس ابتهاجاً بفوز الرئيس في الانتخابات اياها
ليت كل مسلم ينسى أن يعود الأزهر إلى مكانته طالما كان تابعاً للدولة، وأن ينصح لإمامه الأكبر ألا يخشى في الله لومة لائم.. وأن يضع نصب عينيه قائمة أسماء تبدأ بالعز بن عبد السلام الذي أفتى بعدم جواز تولي المماليك الحكم لأنهم عبيد- إلى جاد الحق الذي كانت فتاواه تخرج ممهورة بعبارات تؤكد –حقيقة- أنها فتاوى لا مجال للهوى أو السلطان فيها وليت كل مسيحي يدرك أن البابا ليس إلهاً وأن الكنيسة ليست دولة وأن المسيحيين ليسوا شعباً مستقلاً بل هم إخوة في الوطن .. وإن لم يستطيعوا أن ينصحوا له فعلى الأقل يكتفوا منه بدور رجل الدين.
هامش (८): كنائس في حماية المسلمين لأن الشارع الذي أقطن فيه غالبيته من المسيحيين فقد كنت في دورية ليلية مع جار مسيحي يشغل عمه مركزاً سيادياً في الكنيسة المصرية.. سألني سؤال مباغت: كم كنيسة في مصر؟ أجبته ممازحاً: كتير.. مانتو أكتر م الهم ع القلب؟ ضحك وسأل مجدداً: كم كنيسة تم نهبها أو حرقها في الأيام الماضية التي لم تكن فيها أية حراسة؟ قلت: لم أسمع عن أية حادثة فهمت مقصده.. وتعجبت كيف لم أنتبه لهذا.. بالفعل لو أن الأمر طائفياً لكانت الكنائس والأديرة أسهل الأهداف المفاجأة -بالنسبة للبعض- أن جزء كبير من حراسات الكنائس –الشعبية بعد انسحاب الشرطة- كانت من الجيران المسلمين !!! وفي رأيي أن هذا أمر غير مستغرب في مصر التي تشهد أجمل علاقة بين الاقلية والأغلبية في العالم بأسره تذكرت لقاءاً للبابا في معرض الكتاب في التسعينيات سألته فيه: لماذا لا تتركونا نتعايش اجتماعياً ولا تدخلوا السياسة: لا الكنيسة ولا الحكومة؟ فأنا مؤمن أننا –اجتماعياً- مثال نادر للتعامل بين أقلية وأغلبية في كل العالم.. وأراهن على ذلك.. ولكن دخول السياسة يزيد من الاحتقانات. وكان الرد منصباً على التعليق على إني اسم على مسمى وشوية كلام دبلوماسي يتميز به.
وليس مجرد هامش.. في قلب صفحة الثورة.. وفي قلب مصر.. وفي قلب كل مصري.. وفي قلب كل من يجني ثمار نبتة روتها دماؤهم الطاهرة التي سالت بلا ذنب إلا لكونها بريئة طاهرة
في القلب أرواح شهداء نالتهم يد الغدر الجبانة التي لم تعتد أن تمد يدها للزهور النضرة إلا لقطافها ليس إلا .. لا للاستمتاع بعبيرها الذي لا يبخل عن أحد
رحمهم الله رحمة واسعة .. وأسكنهم مع النبيين والشهداء والصديقين والأبرار.. وجراهم عن كل من يتنسم عبير الحرية التي دفعوا ثمنها بدمائهم كل خير
هامش 1: اعتذارات
عندما يجد المرء نفسه متقازماً أمام أمر ما أو شخص ما فذلك لأن هذا الأمر أو الشخص أكبر وأعظم بمراحل
وكم يحز في القلب أن يكون أقصى ما يقدم هو "أضعف الايمان".. ولكن الله أعلم.
وثمة اعتذار قدمه ويقدمه وسيظل يقدمه الكثيرون لشعب طالما وسم بأنه جامد صامت لا ينطق مهما حدث..
وأعترف أنني اقتبست تعليقاً بعد تونس كان يقول: "يوجد عشرات النسخ من زين العابدين ولكن كم نسخة توجد من الشعب التونسي".. اعترف أنها كانت اقتباسي المفضل آنذاك
أعتذر لأنني لم أعرف قيمة الشعب الذي أنتمي إليه وإن كان هذا الشعب من أوحى بذلك على مر العهود.. والآن أجزم أن هناك عشرات النسخ من الشعب التونسي والمصري .. وأنه لا محال مع إرادة الشعوب
هامش 2: في انتظار بيان (2)
بعد دقائق من خطاب "سكت دهراً.." وبعد ساعات من بيان رقم (1) .. البيان الأول المرقم منذ بيانات أكتوبر العزة..
مصر تحبس أنفاسها في انتظار بيان ليس مطلوباً منه إلا أن يشعر فيه المصري أنه ابن هذا البلد العريق.. وأن هناك من يحفظ له الحق الأدنى من الكرامة في بلده التي طالما امتهنت كرامته..
ليته لا يكون مثل مخاض الجبل
هامش 3: أكشاك الدعارة
في الأسبوعين الماضيين ظهرت أكشاك دعارة سياسية عديدة.. أقول أكشاك لأنها من حقارتها لا ترقى لأن تكون بيوتاً فضلاً عما لكلمة "بيت" من قدسية..
أكشاك تمثلت في أبواق إعلامية فاضحة ترتكب أفعالاً خادشة لكل حياء في الطريق العام بل وتتسلل بها إلى البيوت الشريفة..
صحف وقنوات لا تتورع عن الكذب البين والتضليل بطريقة لا تنطلي على طفل يحبو..
كانت شمطاء في بداية الثورة بأن كانت ترتكب الدعارة العلنية بأن تخفي ما لا يخفى: تخرج في وضح النهار في يوم مشمس لتنكر وجود الشمس!!! وليت الأمر في حجرات مغلقة لكان هان.. ولكن العالم كله يرى إلا من عميت بصائرهم من أصحاب ورواد تلك الأكشاك..
وبعد أيام عندما ظهر الحق وزهق الباطل كانت مرحلة دعارة جديدة.. فرواد تلك الأكشاك لا يريدون لأحد أن يكون طاهراً فكانت مرحلة التشكيك بطرق أضحكت القاصي والداني وباتهامات يتورع عن "رصها" أي منولوجست في فرح بلدي..
هطل جعل لكل أجهزة استخبارات العالمهدفاً وحيداً وهو تجنيد شباب الميدان بطريقة جمعت كل الأضداد: حماش والموساد، إيران وأمريكا، ..إلخ فضلاً بالطبع عن جيوش حنظلة وسراقة بجمالهم وخيولهم..
وعندما أدرك مديرو اكشاك الدعارة ومن ورائهم أصحابها أن الأمر لم يفلح لأنه يحمل اتهاماً مبطناً بالتقصير لأجهزتنا الساهرة إذ سمحت لكل هؤلاء أن يرتعوا بلا رقيب في ميداننا..
وبلغ العهر قمته في المرحلة الحالية التي خلع فيها رواد الأكشاك جلودهم تماماً وبدأوا في الانقلاب 180 درجة لمسايرة الموجة بطريقة تثير الغثيان..
أصبحت المحظورة محظوظة .. وأصبح حملة الأجندات من حملة النياشين.. والانفلات أصبح ثورة.. وأسبح "العيال اللاسعة" ضيوفاً على البرامج الحوارية.. وصار المذيع ذو اللسان السليط مؤدباً مكتوف الأيدي –حرفياً كما رأيت- مذكراً طوال الحوار أن تدخله للتوضيح لأنه لا يحجر على رأي أحد..
لله در عمار الشريعي الذي اتصل بالتليفزيون الحصري العصري كاشفاً سوءاتهم المكشوفة من الأساس ..
ومثل كل ماسبق يقال على الإعلام المطبوع الذي لا أعتقد أن تغيير قياداته سيقنع أحداً بجدية التغيير، كما لن ينجح في محو الخطايا التي ارتكبت باسم الإعلام في تلك الفترة وما سبقع\ها بطبيعة الحال.
اللهم لا تطل عهدنا بأكشاك الدعارة تلك
هامش (4): لجنة (ولكن)
لا يبعد هذا الهامش عن سابقه إلا قيد أنملة
مع تعدد اللجان التي انبثقت عن لجان أغلبها –تأدباً- من المهمشين أو الكارتونيين أو الباحثين عن مقاعد في وليمة لم يدعوا إليها والكل باحث عن مصالح شخصية بحتة- ظهرت لجنة الرقص على الأحبال والتي تعرف بين المثقفين –الشرفاء بالطبع- باسم مجموعة ولكن..
ذلك أنها انتهجت نهجاً لا تخسر به في أي ظرف كان.. يبدأ الواحد منهم حديثه أو مقاله بالإشادة بشباب 25 يناير وأنهم خيرة شباب البلد وووووووو.. ثم يضيف الكلمة السحرية : ل – ك – ن
تلك الكلمة التي تحيل أجمل الأحلام لكابوس وتجعل من الأجواء الملائكية احتفالية إبليسية من الدرجة الأولى
بعد (لكن) الخبيثة يبدأ الأخ من إياهم في تكرار حق يراد به باطل وهو استقرار مصر والحفاظ عليها واستمرار مسيرة الثلاثينية الأولى لنبدأ بها الثلاثينية التالية..
هامش (5) : لكشي دعوة
كثيرة هي الاتهامات للمصريين باللاوعي وما شابه من اتهامات.. ولكن لأثبتت الأيام أن المصري لا يزال ذلك الشخص الذي يفهمها وهي طايرة حسب التعبير المصري الأصيل
منذ شهور نطق أوباما "السلام عليكم" وتخيل الكثيرون أنه سيحرر الأقصى ولكن هذا لم ينطلي على المصري الذي جلد الوافد من البيت الأبيض بسياط السخرية المصرية الأصيلة..
فعلها خامنئي –مرشد الثورة الإيرانية- منذ أسبوع في خطبة باللغة العربية في دولة تحقر كثيراً من لغة القرآن أمام لغتها الفارسية .. وكم كان المشهد مضحكاً وآلاف الحضور يهزون رأسهم تدبراً وهم لا يفهمون كلمة واحدة.. في البداية ظننتها دبلجة ولكن بحركات الشفاه أدركت أنها مقصودة لتكون رسالة للمصريين البسطاء الذين لا يعون شيئاً .. ولكن خاب ظن من أمر بإطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين ضده منذ عام واحد وكان الرد القاسي بأن رفضت مصر "الشعب" تلك المحاولة الرخيصة.. تماماً كما رفضت أية محاولة لمناورات سياسية من هذا الطرف أو ذاك وكانت الإجابة الصادمة من كل مصري: خليك في حالك
خلال أيام قليلة تناقلت صفحات الحوادث جرائم تمس الطلاب: ضحايا أو مجرمين أو كليهما
أمس تم ضبط ثلاث طالبات يهتكن عرض زميلتهن في فصل خالي أثناء الفسحة؛
ثلاث طلاب يهتكن عرض زميلهم تحت السلم؛
مدرس يفعل كذا وكذا مع تلميذ أو تلميذة... إلى آخر تلك "الجرائم" المخزية.
مثل تلك الحوادث ليس وليد اليوم والبارحة؛ بالعكس.. إلا أن الجديد أن هناك من خرج وأبلغ عن تلك الحالات وهو مؤشر جيد على اي حال.
في البداية يجب التنويه إلى أن جريمة هتك العرض تعرف بأنها "ملامسة الجسد بغير رضا صاحبه" مهما كان جنس المجرم أو الضحية. بمعنى أن تفتيش مدرسة لطالبة بغير رضاها مثلاً يعتبر هتك عرض رغم أن كلاً منهما أنثى.
أما التحرش فهو بالقول أو الفعل.
*******
مع كل حادثة من تلك الحوادث لا أسارع مثل غيري باتهام المدرس بالانحلال أو الطالبة بأنها ساعدت بسلوكها على ذلك..
اتهامي الأول يكون لأم تناست دورها كمربية ووزعت اهتماماتها إما بين المزاحمة في سوق العمل أو في قائمة اهتمامات كثيرة يحتل أبناؤها آخرها. وتشير أصابع الاتهام أيضاً إلى اب تناسى أنه القيِّم الذي سيسأل عن تربية أبنائه وتعليمهم ما لن يعلمهم غيره.
لا أقصد هنا أن الأب والأم تركوا الحبل على الغارب لأبنائهم فليس هذا مجال العتاب... ولكن تقصيرهما كان في عدم تعويد الأبناء على ثقافة البوح بأن يتعلم أن هناك أموراً محرجة أو مخجلة إلا أنه يجب مشاركة الكبار فيها.
*******
عادت بي الذاكرة إلى سنوات مضت جربت فيها العمل كمدرس ابتدائي في معهد أزهري لغات بالقاهرة.. في البداية تخوفت من التجربة إلا أن نهايتها شهدت دموعي –حرفياً- عندما رأيت مشاعر تلاميذي لمعرفتهم أني سأتركهم.
طلبت من الزميلات أن يناقشن الصغيرات في بعض الأمور التي تمنع معرفتها العديد من الجرائم التي يرتكبها من نزعت منهم صفة البشرية وتحولوا لذئاب. كانت الإجابة أن المديرة تمانع، فقررت القيام بتلك المهمة في فصلي المفضل -3/4 بنات- وكانت النتائج مذهلة:
في البداية طلبت من البنات التفرقة بين عمو –شقيق الأب- وأي عمو.. فليس كل عمو يمكن أن ينال شرف "إدي بوسة لعمو" .. واتفقنا أن البنت الشاطرة متقعدش مع حد غريب لوحدها حتى لو كان أنا –المستر- أو عمو سواق باص المدرسة. وأخيراً أن تكون ماما هي مخزن الأسرار مهما كانت تلك الاسرار محرجة.
وخلال دقائق كانت كل واحدة تحكي قصتها مع موقف تذكرها به تلك الكلمات .. ووجدت أهوالاً في حكايات البنات الصغيرات..
وبانتهاء الحصة ذهبت لمكتب عميدة المعهد و"اعترفت" بما فعلت بل طلبت منها تعميم الفكرة فوافقت مشجعة !!
وفي الصعيد عندما طلبت من طالبات المرحلة الثانوية أن يتعاملن بمبدأ: فلان زي أخويا بس مش أخويا؛ فلا معنى أن يقوم بما يقوم به الأخ من واجبات حتى وإن كان بمباركة الوالدين. واتفقنا على تفعيل عملية تحديد المحارم.
وهنا حكت إحداهن أنها الآن فقط عرفت لماذا كان والدها يمنعها من "الهزار" مع صديقه العزيز عندما يزورهما رغم أنها تعتبره "زي بابا". تمنيت لو كان الأب أتعب نفسه بتوضيح سبب منعه بدلاً من مجرد إصدار الأمر، وأنه "يا بنتي هو زي بابا بس مش بابا، يعني يتعامل معاملة الغريب مهما كان قربه منا"
((بين قوسين:
يزيد من الألم والحسرة والاشمئزاز حوادث شبيهة ولكن المجرم فيها من المحارم: أب، أخ، خال، عم..
وصدقاً ... أعجز عن الكتابة عن مثل تلك الجرائم إلا أنه في كل الأحوال لا مفر من البوح إذا ما تعرض طفل أو طفلة لمثل هذا الأمر))
في كل الأحوال أتساءل إذا لم تقوم الأم بتعريف ابنتها بتلك البديهيات فمن يعلمها؟؟
ما المشكلة أن تخبر الأم ابنتها منذ المرحلة الابتدائية أن جسمها عبارة عن "تابو" taboo أي منطقة محرمة؛ فلا تسمح لكائن من كان لا بنظرة ولا أكثر من ذلك؟
ما المشكلة أن تعلمها كيف توقف مدرساً لم يراعي الله في طالباته وتلفظ بألفاظ غير لائقة أو تصرف تصرفات صبيانية؟
وفي إدارات مدارس البنات العجب العجاب:
فرح الكثيرون –وغضب البعض بطبيعة الحال- لقرار تأنيث مدارس البنات.. ولكن القرار لم ينفذ إلا في المناصب الإدارية لتسهيل جلوس تاء التأنيث على مقعد إدارة مدرسة دون زميلها الرجل. وينفذ أيضاً في استبعاد من لا يروق لإدارة المدرسة بحجة التأنيث. أما ما عدا ذلك فالأقدمية تحكم: أذكر أن المدرسة الثانوية بنين كانت تدرس بها الأحياء مدرسة، بينما يدرس مدرس في مدرسة البنات رغم حساسية المنهج!! ومثلها بعض المواد الشرعية.
إن ما أوصلني إليه فهمي المحدود أن تأنيث مدارس البنات يعني أن يكون من يتولى التعامل مع الطالبات وتدريسهن من الإناث.. وربما أكون مخطئاً فمن يدري!!
ليست عقداً و "كلاكيع" ولا هي تخلف ورجعية.. ولكنها نظرة سريعة لصفحة الحوادث.. وما خفي بالتأكيد أعظم
ما الذي سيضير إدارة مدارس البنات ومعاهدها أن تلفت نظر المدرسين لتجنب مواضع الشبهات:
*** إذا كانت نظريات التربية في الجامعات ترى أن المدرس يجب أن يتحرك في الفصل فإن نظريات التربية التي تلقيناها في بيوتنا ترى أن حركة المدرس في فصل البنات غير لائقة، وتكفيه المساحة الأمامية للفصل أو لجنة الامتحان إلا في أضيق الظروف.
*** وبكل أبوية –أو أمومة..حسب نوع الإدارة- يمكن لإدارة المدرسة أن تلفت نظر المدرس الرجل إلى أن روح الدعابة في فصل البنات لا يجب أن تكون خارجة عن حدودها؛ لا أعني أن يكون المدرس متجهماً أو متقمصاً شخصية ابي الهول ولكن في المقابل لا أريد –ولا أرضى له- أن يكون "....".
ونفس الأمر خارج الفصل حيث لا مجال لوقوف طالبة وأستاذها بمعزل عن الجمع وإن كان هذا لشرح أو سؤال درءاً لأية شبهات.
*** ورأيي أن تتدخل الإدارة بحسم لأية ألفاظ غير لائقة من المدرسين أو حتى الموجهين مثل الحادثة الشهيرة لموجه أعرفه اعتاد مناداة الطالبات بـ "حياتي" و "حبيبتي" و "نور عيني" وسط ابتسامات المرافقين له!!!
*** في أدبياتنا أن نقف للمعلم ونوفه التقدير .. إلا أن عدم وقوف الطالبة "الآنسة" أثناء الإجابة لن يقلل من تقديرها لأستاذها البتة.. بالعكس .. سترى فيه إنساناً يحرص عليها. ونفس الأمر في "حجة البليد" وأقصد مسح السبورة حيث لا يزال هناك من يصر أن تقوم الطالبة -الفتاة- بمسح السبورة في كل مرة أثناء الحصة!! فإن كان في الأمر بد فليكن مسح السبورة بين الحصتين وقبل دخول المدرس ليس إلا.. وبعد ذلك فلتكن مهمته.
وعن الدروس الخصوصية حدث ولا حرج..
حتى الآن لا أعرف طبيعة الأب أو الأم اللذين يحافظان على ابنتهم من الخروج للدروس فيأتون لها بمدرس خصوصي.. وحتى لا يزعجه أهل البيت يغلقون الأبواب التي لا تفتح إلا لتقديم واجب الضيافة!
وإذا خرجت البنت إلى درس مع زميلاتها ما المانع أن تشدد الأم على ابنتها أن تكون حاسمة في رفض التواجد إلا مع زميلاتها بحيث تتفقن أن تذهبن معاً لا فرادى.
أنا هنا –وليتذكر الجميع أنني مدرس قام بالتدريس لكل المراحل من الجنسين في مدارس حكومية وخاصة، عامة وأزهرية- لا أقصد أن كل المدرسين سيئو الأخلاق فتلك النماذج لا يتعدى عددها أصابع اليد الواحدة.
كما لا أقصد أن "كل" من يقوم بهذا يكون سيء النية، ولكن كما يقولون "طريق جهنم مفروش بحسن النوايا" فلماذا لا نتقي الشبهات، ونعلم بناتنا وأخواتنا اجتنابها؟
أعرف العديدين من المدرسين الذين يقومون بتربية البنات على هذه الأمور البديهية التي لا تغضب إلا من في نفسه أمر ما.
الطريف أن من يعمل من المدرسين على اتقاء مثل تلك الشبهات يقال عنه إنه "معقّد" !! فمرحباً بكون المرء معقداً عن كونه خائناً للأمانة.
ولكن.. عفواً
لا المدرس ولا إدارة المدرسة ملزمين –نظرياً- بالقيام بهذه الأمور .. إذا أضاعت الطالبة حقها فلا تنتظر أن يأتي لها به الغير.
لا أقول أن تتحول الطالبات إلى بلطجيات، أو أن تقيم الدنيا ولا تقعدها لمزحة بريئة من مدرس.
ما أقصده أن تقيم الأم جسراً مفتوحاً مع البنت لتسألها وتحكي لها وتستشيرها .. ومع الأيام ستعرف البنت كيفية التصرف مع كل حالة.. وستتعلم كيف تحكم على كل نظرة أو كلمة ومن ثم تتعامل معها بما يليق.
دائماً في تلك الحوادث يعتمد المجرم على أن الضحية لن تتكلم ولن تحكي لأحد لأنها ستشعر بالخجل والعار. ولكن العار في السكوت إلى أن يحدث ما قد لا تحمد عقباه.
استطردت كثيراً فيما يخص المدرس رغم إنني كان يجب أن أقف في صف المدافعين بالحق والباطل إلا أن الحق أحق أن يتبع، ولأن جناية المدرس أكبر نظراً لثقل الأمانة التي يحملها.
*******
أما بالنسبة لحوادث هتك العرض والتحرش بين الطلاب بعضهم البعض فلا أستغربها أيضاً -على بشاعتها- لأنني شهدت بعضها حتى أن حالة منها كانت بين طالبات في الصف السادس!!!
وأعود لأشير بأصابع الاتهام لنفس المتهم: البيت.. الأم والأب اللذين يعتبران أن الحديث مع الابن في تعريفه بوظائف جسمه "عيب" لا يجب الخوض فيه. فيلجأ الابن ولداً كان أو بنتاً للمعرفة عن طريق الأصدقاء أو الإنترنت وكليهما يقدم معلومات أبعد ما تكون عن الحقيقة... وتكون الكارثة.
ربما لا يدرك طلاب الأزهر مدى الجهل بتلك الأمور نظراً لأن دراستهم تكفل لهم معرفة شرعية رزينة بأمور يراها البعض "عيب". ولكن الدراسة العامة تفتقر إلى هذا مما يخلق فراغاً علمياً وشرعياً كبيراً..
وتبقى نقطة مهمة وهي تبرير الطالبات المتهمات في الحادثة الأخيرة بأن "كنا بنهزر" .. وليكن واضحاً للطفل منذ نعومة أظافره أنه لا هزار في مثل تلك الأمور بأي حال من الأحوال
*******
فيا كل تلميذ وتلميذة:
بكل وضوح وبلا مواراة: جسمك منطقة محرمة محظورة على الجميع.. على أي شخص كائناً من كان.
وفي حالة الطالبة الأكبر:
أمرك ربك وتأمرك فطرتك بصيانة نفسك من نظرات من لا يتقون الله بالاحتشام في الملبس.. والحذر في التعامل ؛ ليست دعوة لإساءة الظن بالجميع لكن قليل من الحذر لا يضر.
ودائماً ضعي في ذهنك أن أحداً لن يجروء على النظر أو التحرش بكلمات أو ما هو أكثر إلا إذا رأى أنك لن تصديه.. فخيبي ظنه ولا تخجلي من إيقافه عند حده كائناً من كان لأنه ساعة يفعل ذلك يكون غاية في الصغر والدناءة مهما علت درجته الوظيفية أو مكانته المزعومة بين الناس. فسكوتك هو أكبر إهانة يمكن أن توجه لك ولكرامتك